في كوننا هذا، يوجد مصادر لا تحصى للطاقة، نميز من منها ما يعرف بالطاقة النووية، والتي تعتمد في أساسها على ما يعرف ب النظائر المشعة أو النويدات المشعة (Radioistope).ساهمت وبشكل كبير في بناء صرح الإنجازات العلمية وتأسيس دعائم الحضارة البشرية، ونميز من مصادر الطاقة ما يعرف بالطاقة النووية، والتي تعتمد في أساسها على ما يعرف بالنظائر المشعّة أو النويدات المشعّة (Radioistope).

والتي ساهمت وتساهم في ضخ كميات هائلة من الطاقة إلى مدننا ومصانعنا المختلفة، ناهيك عن الميزات الهائلة التي قدمتها في المجال الطبي بمختلف ميادينه، فما هي النظائر المشعة؟

النظائر المشعة:

النظائر المشعة هي عناصر مشتقة من العناصر الأصليّة الطبيعيّة، إلا أنها تمتلك كتلة نووية أكبر من نظيرتها الطبيعية، لذلك دعيت بالنظائر بمعنى آخر. النظائر المشعة هي عناصر مماثلة للعناصر الطبيعية لكنها تطلق إشعاعات نووية بسبب كتلتها الزائدة في نواتها.

فلكل عنصر في الطبيعة انطلاقاً من الهيدروجين إلى الأوكسجين وصولاً إلى الكوبالت والكروم وسوى ذلك من العناصر الكيمائية جميعها تمتلك ما نطلق عليه مصطلح ” النظائر المشعة ” أي ذرات شبيهة بالأصلية إلاّ أنها تمتلك فائضاً من النيوترونات يجعلها في حالة عدم استقرار، والجدير بالذكر أن هذه النظائر المشعة لا تبقى في حالة عدم الاستقرار تلك دائماً. فهي تسعى إلى الاستقرار بإطلاقها لتلك الإشعاعات حتى تصل إلى الحالة ذاتها التي يمتلكها العنصر نفسه في حالته الطبيعية.

النظائر المشعة

تتكون الذرة من نواة تحتوي على بروتونات ونيوترونات، وإلكترونات تدور حولها، إضافة إلى عدد من الجسيمات النووية الدقيقة، وتتميز الذرات في أن بعضها يكون مستقراً (خاملاً) وبعضها يكون غير مستقر (نشط)، حيث يكون لها نشاط إشعاعي أو انبعاث لأشعة نووية، كأشعة ألفا وبيتا وغاما.
وهذه النظائر المشعة، التي تكون أنويتها غير مستقرة، يكون لها نفس عدد البروتونات المشابهة للذرة المستقرة من العنصر نفسه، لكن تختلف في عدد النيوترونات، وبالتالي يتكون نظير العنصر أو ما يعرف بالنظير المشع، فمثلاً عنصر الفسفور يكون له أكثر من نظير، كالفسفور31-،
والفسفور32-، والفسفور-33، أما اليورانيوم فيوجد له أيضاً أكثر من نظير
كاليورانيوم233-، واليورانيوم235-، واليورانيوم238-، وبناء عليه فإن النظائر المشعة الخاصة بعنصر واحد تختلف قليلاً في أوزانها الذرية على الرغم من تشابهها في الصفات الكيميائية.
ونظراً لانبعاث الأشعة من تلك النظائر المشعة بشكل مستمر، فإنَّ نشاطها الإشعاعي يتناقص مع مرور الوقت، وهذا يعرف بعمر النصف، الذي هو عبارة عن المدة الزمنية اللازمة لهبوط النشاط الإشعاعي لأي نظير إلى النصف، والذي يراوح بين بضع ثوان وآلاف السنوات، تبعا لنوع النظير المشع.
ويمكن تصنيع عدد كبير من النظائر المشعة مختبرياً عن طريق قصف الذرة المستقرة في مسارعات الجسيمات بجسيمات دقيقة، مثل النيوترونات أو البروتونات أو ألفا وغيرها، وعملية القصف تلك تؤدي إلى تغير استقرار الذرة وطاقتها، فمثلاً عند قصف
الكوبلت – 59 المستقر ببروتون يتحول إلى الكوبلت – 60 المشع. وإضافة إلى استخدام مسارعات الجسيمات (السيكلوترون) لإنتاج النظائر المشعة، فإنه يمكن إنتاجها في المفاعلات النووية، ومن أهمها مفاعلات الفيض النيوتروني المعتدل، كما يمكن إنتاجها من مولدات خاصة ويتم الحصول على نظائر مشعة قصيرة العمر ناتجة عن نظائر مشعة طويلة العمر منتجة مسبقاً من مسارعات أو مفاعلات.
ويؤدي تحلل أنوية النظائر المشعة إلى انطلاق عدد كبير من الجسيمات النووية والإشعاعات الكهرمغنطيسية، كجسيمات ألفا وبيتا، وبعض أنواع الإشعاعات الكهرمغنطيسية، كأشعة غاما، فأشعة ألفا ذات طبيعة موجبة وأشعة بيتا ذات طبيعة سالبة، أمَّا أشعة غاما التي هي أمواج كهرمغنطيسية فتتميز بقصر موجاتها وهي ذات نفاذ واختراق عاليين، ونواتج التحلل تلك، لها استخدامات كثيرة ومتعددة، كالمجالات الصناعية، والزراعية، والجيولوجية، والبحث العلمي، وإنتاج الطاقة، ودراسة تركيب المادة، والتعرف إلى جودة المنتجات، ومراقبة خطوط الإنتاج، وتحسين سلالات المحاصيل الزراعية والحيوانية، وتعقيم اللحوم والخضراوات والحبوب، وحفظ الأغذية، وغيرها من التطبيقات والاستعمالات المهمة، إلا أن أبرز تلك التطبيقات هو في المجال الطبي.

من أين تأتي النظائر المشعة؟

يمكن الحصول على النظائر المشعة بطريقتين، إما:

  • طبيعياً:

حيث أن الطبيعة تحتوي على كم كبير من النظائر المشعة.

أو

  • صنعياً:

حيث يتم تصنيع النظائر المشعة وفق طريقتين أساسيتين، أولهما هل “المفاعل النووي”، وتستخدم بشكل أكبر لصنع النظائر المشعة ذات النيوترونات الفائضة، والطريقة الأخرى بأجهزة التحطيم الذرية.

تطبيقات واستخدام النظائر المشعة:

  • هناك طيف واسع من التطبيقات المختلفة والمتنوعة في شتى ميادين الحياة ل النظائر المشعة ومنها:
  • في المجال الطبّي:

استعملت النظائر المشعة في مختلف اختصاصات الطب. مثل التشخيص و التصوير، والمعالجة، و التكهن بتطور المرض، و تعقيم الأدوات و الضمادات و تطوير اللقاحات، بالإضافة إلى المعالجة الدقيقة لمرض السرطان بأشعة اليود و أشعة الكوبالت.

  • في مجال العلوم الدوائية:

تستخدم النظائر المشعة في دراسة الفعالية الاستقلالية والصلاحية الحيوية لمختلف الأدوية قبل إعطاء التراخيص لنشرها في المجالات الطبية.

  • في مجال الصناعة والتكنولوجيا:

يمكن توظيف النظائر المشعة في مجال تكرير المواد واللحام في البناء، والسيطرة على عمليات الإنتاج المختلفة.

  • في المجال الزراعي:

السيطرة على الآفات الزراعية و حفظ المواد الغذائية المتنوعة.

أخطار النظائر المشعة

ونظراً للأخطار الإشعاعية لأملاح الراديوم، وإجراءات السلامة العامة الواجب اتخاذها عند التعامل مع هذا العنصر المشع، استخدمت منابع الرادون في كثير من التطبيقات الطبية، ففي عام 1914 استخدم الرادون للمرة الأولى في علاج بعض الأمراض الجلدية، وقد تميز الرادون بعمر قصير نسبياً، ويبلغ نحو أربعة أيام فقط، وأعقب ذلك في عام 1920 اعتماد استعمال الرادون بدلاً من أملاح الراديوم في العلاج الطبي الإشعاعي في الولايات المتحدة الأمريكية.
ومع التقدم العلمي في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، تم الاستغناء عن الراديوم، وابتكرت أنظمة خاصة للعلاج الإشعاعي، حيث استخدمت منابع أشعة غاما من الكوبلت، واستخدمت النظائر المشعة الصناعية للذهب والأريديوم، وتم وضع آليات دقيقة في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية للتخلص من منابع الراديوم المستخدمة.
ومع ذلك، ونظراً لقلة المعلومات الكيميائية والفيزيائية حول النظائر المشعة في النصف الأول من القرن الماضي، وعدم توافر معلومات كافية حول أخطارها، فقد استخدمت بشكل مبالغ فيه لعلاج عدد كبير من الأمراض، فاستخدم الماء المشبع بالرادون لعلاج مرض السل وأمراض الجهاز الهضمي والعصبي وتنظيم نشاط غدد الجسم والنشاط الإنزيمي. وكان يتم إدخال الرادون عن طريق مياه الشرب أو بحقن عضلية أو وريدية أو تحت الجلد أو عن طريق التنفس.
ومع توالي الأبحاث الطبية والمراقبات السريرية، بدأت تتكشف أخطار استخدام النظائر المشعة في المجال الطبي دون وجود معايير صارمة، كما تم تحديد الأمراض التي يمكن استخدام العناصر المشعة لعلاجها، ومن أهمها القضاء على الأورام السرطانية.
وعلى الرغم من ذلك، فقد تواصل استخدام النظائر المشعة في الأغراض الطبية والعلاجية والتجميلية، لكن مع زيادة وعي الناس وحملات التوعية وزيادة معارف الباحثين بتلك العناصر وأخطارها، أدى ذلك إلى تراجع ما كان يشاع عن أهمية تلك العناصر في شفاء عدد كبير من الأمراض، وتمت معرفة الحدود الآمنة لها وأخطارها وكيفية التعامل معها، وأصبح استخدامات النظائر المشعة مقتصراً على المتخصصين ممن يمتلكون المعرفة العلمية التي تؤهلهم للتعامل مع تلك المواد الخطرة.

النظائر المشعة

العلاج الذري

تستخدم عدد من النظائر المشعة للمعالجة الطبية، إما بطريقة التعرض الخارجي أو الداخلي للأشعة. ويستخدم لهذه الغاية عدد من النظائر المشعة للمعالجة الخارجية، كالكوبلت 60 (Co – 60) والسيزيوم 137 (Cs – 137)، حيث يتم تعريض الجزء المراد علاجه للمريض، كالورم السرطاني، للأشعة الصادرة عن نظير مشع موضوع في نظام آلي خاص مدرع بالرصاص وبه نافذة يتم التحكم فيها من بعد. وفي هذه الطريقة تعمل أشعة غاما على تدمير الورم بجرعات إشعاعية محددة وعلى عدة جلسات علاجية، وفي أحيان أخرى يتم توليد الأشعة العلاجية السينية، ذات الطاقة العالية في مسرعات خطية، فتكتسب الإلكترونات طاقة عالية قادرة على الوصول إلى الأورام السرطانية الداخلية في الجسم.
ولعل من أشهر التطبيقات العلاجية للنظائر المشعة، استخدام اليود – 131 لعلاج فرط نشاط الغدة الدرقية، وعلاج الأورام الخبيثة التي تصيبها وخصوصا بعد التدخل الجراحي، كذلك فقد استخدم السترنشيوم – 89 (Sr – 89) للتخفيف من آلام العظام التي تنتج عن بعض الأورام السرطانية، أما لعلاج أورام الخلايا الليمفاوية فتستخدم مادة اليتريوم Yittrim المشعة – 90.
ولا يقتصر دور النظائر المشعة على علاج الأورام الخبيثة والقضاء عليها، بل تستخدم في إجراء بعض أنواع التحاليل الطبية، كاستخدام بعض أنواعها في تقدير نسبة الهرمونات أو الفيروسات أو الفيتامينات في الدم، فمثلاً يستخدم نظير اليود – 125 للتعرف إلى هرمونات الغدة الدرقية، كذلك فإن الإشعاعات الذرية تستخدم في إنتاج الأمصال الطبية، إذ تعمل على إضعاف الميكروبات والجراثيم الموجودة فيها إلى الحد الآمن والذي يعطي جسم الإنسان المناعة المناسبة تجاهها، أيضاً فإن الإشعاع الذري يستخدم لتعقيم الأدوات الطبية قبيل إجراء العمليات الجراحية.
وعلى الرغم من الفوائد الجمة للأشعة، فإن تأثيراتها في صحة وسلامة الإنسان تفرض توخي أقصى درجات الدقة والانتباه، وخصوصاً الأشعة المؤينة القادرة على إحداث تأثيرات بيولوجية خطيرة على خلايا الجسم، فعند سقوط تلك الأشعة على الخلايا الحية، ينتقل جزء من طاقتها، وتتسبب في تأيين تلك الخلايا، إذ تتحرك بعض الإلكترونات وتنتج أيونات سالبة وموجبة وهذا يؤثر على أداء الخلايا الحية بشكل مباشر، كما تنتج جذور حرة ويكون تأثيرها واضحاً على الحمض النووي والإنزيمات والبروتينات التركيبية البنائية. وهذا التأثير يعتمد على نوع الإشعاع ومعدل الجرعة الإشعاعية والحساسية تجاه الإشعاع وقدرة الخلية على إعادة بناء نفسها من جديد، وهذه التأثيرات للأشعة يمكن أن تتسبب في موت الخلايا أو منع انقسامها أو حدوث اضطرابات في عملية انقسام الخلية أو أضرار جينية، كتحطم المادة الوراثية DNA الذي ينتج عنه تغييرات في الجينات الوراثية.
وعلى الرغم من ذلك، فإن استخدام الأشعة على اختلاف أنواعها والنظائر المشعة، أصبح في الوقت الحالي جزءاً مهماً من المعالجة الطبية، سواء من الناحية التشخيصية أو العلاجية. وعلى الرغم من التأثيرات الضارة للإشعاع، فإن استخدامها وفق الطرق والتعليمات السليمة التي نصت عليها الدساتير الطبية، حقق للإنسانية خطوات متقدمة في القضاء على بعض الأمراض المستعصية، فأصبحت التكنولوجيا الحديثة بكل إمكاناتها في خدمة الطبيب المعالج الذي يسعى نحو تخفيف آلام مرضاه، ومكنته من أن يعيد البسمة إلى وجوه أضناها المرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *